عمارة الاستلاب: قراءة في سيكولوجيا "مملكة القطيع"
بقلم: المهندس/ علي عصفور
في دراستي للهندسة المعمارية في إيطاليا، تعلمتُ أن الفراغ ليس "عدماً"، بل هو المساحة التي تمنح الأشياء معناها. وحين عدتُ إلى ممارسة البحث في الفكر الإنساني والعمل السياسي، اكتشفتُ أن أخطر أنواع الفراغ هو "الفراغ الفكري" الذي يملأه الإنسان بالتبعية المطلقة، وهو ما أطلقتُ عليه في كتابي المشارك بمعرض القاهرة 2026: "مملكة القطيع".
لطالما سألتُ نفسي كمعماري: لماذا يختار الإنسان السكن في صناديق فكرية ضيقة بينما الوجود يتسع لكل الأسئلة؟ إن "مملكة القطيع" ليست مكاناً جغرافيّاً، بل هي حالة "هندسة نفسية" يتم فيها صياغة الفرد ليكون صدىً للآخرين، لا صوتاً لنفسه. إنها المنظومة التي تجعل من الدين والسياسة والاجتماع أدوات للضبط والسيطرة قبل أن تكون وسائل للارتقاء.
تأثري بالدكتور علي الوردي جعلني لا أنظر إلى "القطيعية" كشتيمة، بل كظاهرة سوسيولوجية تحتاج إلى تشريح. الوردي علّمنا أن الطبيعة البشرية تميل للتعصب والازدواجية، وفي "مملكة القطيع" أحاول تتبع كيف يتم استغلال هذه الطبيعة لتشكيل وعي جمعي يرفض السؤال. لقد مارستُ السياسة ثماني سنوات رئيساً لحزب، ورأيتُ كيف تخشى النظم – والأحزاب أحياناً – من "الإنسان السؤال"، وتفضل عليه "الإنسان الإجابة".
بالإضافة انني كنت أمين عام ل "حزب الطبيعة الديمقراطي الأردني" لمدة 6 سنوات
هذا الكتاب هو جزء من مشروع فكري متكامل؛ فبينما يفكك "مملكة القطيع" قيود المجموع، يحاول كتابي "رحلة الوجود" إطلاق سراح السؤال، وصولاً إلى "كيمياء الخير" التي تمثل التصالح النفسي للفرد بعد تحرره.
إنني أدعو القارئ في معرض القاهرة هذا العام، ليس ليقرأ كتاباً، بل ليعيد النظر في "تصميم" حياته الفكرية. هل أنت الساكن في فكرك، أم أنك مجرد مستأجر في عمارة بناها لك المجتمع، ووضع لك فيها جدران "مملكة القطيع"؟
الخروج من القطيع لا يعني الانعزال، بل يعني أن تعود للمجموع وأنت تملك "ذاتك"، لتبني مجتمعاً قائماً على التنوع لا على التكرار الرتيب.
