google.com, pub-1351437658106325, DIRECT, f08c47fec0942fa0 بين نُورِ الاتِّبَاعِ وَظُلُمَاتِ الابْتِدَاعِ: رُؤْيَةٌ فِي فِقْهِ زِيَارَةِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ -->

بين نُورِ الاتِّبَاعِ وَظُلُمَاتِ الابْتِدَاعِ: رُؤْيَةٌ فِي فِقْهِ زِيَارَةِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ


 بين نُورِ الاتِّبَاعِ وَظُلُمَاتِ الابْتِدَاعِ: رُؤْيَةٌ فِي فِقْهِ زِيَارَةِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ

بقلم المفكر والكاتب: قلم السلام/ حمدي قنديل

تَقُومُ الحَقِيقَةُ الإِيمَانِيَّةُ الصَّافِيَةُ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ لاَ ثَانِيَ لَهُ: أنَّ العِزَّةَ وَالكَرَامَةَ وَالنَّفْعَ وَالضَّرَّ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ الوَجْهَةَ وَالتَّوَجُّهَ وَالقَصْدَ وَالاسْتِعَانَةَ لاَ تَكُونُ إلاَّ لِلْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ. فَالْكَرَامَةُ فِي حَيَاةِ العَبْدِ الصَّالِحِ هِيَ مَحْضُ فَضْلٍ وَتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، لاَ يَمْلِكُ فِيهَا العَبْدُ لِنَفْسِهِ حَوْلاً وَلاَ قُوَّةً. أَمَّا بَعْدَ المَمَاتِ، فَقَدِ انْتَقَلَ الصَّالِحُونَ وَالأَوْلِيَاءُ إِلَى دَارِ البَرْزَخِ، وَأَصْبَحُوا مِنَ الأَمْوَاتِ الَّذِينَ انْقَطَعَ عَمَلُهُمْ، لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَهُ لِغَيْرِهِمْ؟

إنَّ البَحْثَ فِي قَضِيَّةِ "زِيَارَةِ القُبُورِ وَالمَقَامَاتِ" يَتَطَلَّبُ شَجَاعَةً فِكْرِيَّةً وَتَأْصِيلاً شَرْعِيّاً يُعِيدُ الأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا الصَحِيحِ، صِيَانَةً لِعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ، وَتَحْصِيناً لِلْعَامَّةِ مِنَ الانْزِلاَقِ فِي المَتَاهَاتِ وَالبِدَعِ.

1. شِفْرَةُ المَتَاهَةِ: "فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ"

لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى لَنَا الآيَةَ الفَاصِلَةَ الَّتِي تَفُكُّ كُلَّ شِفْرَةٍ وَتَحْسِمُ كُلَّ حَيْرَةٍ:

{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].

فَالْمَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَلِأَوْلِيَائِهِ الصَّالِحِينَ لاَ تَعْنِي ابْتِدَاعَ مَنَاهِجَ لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللهُ، وَلاَ تَعْنِي تَقْدِيسَ القُبُورِ وَالأَضْرِحَةِ، أَوْ طَلَبَ الحَوَائِجِ مِمَّنْ لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَتَكَلَّمُ. إنَّ الاتِّبَاعَ الحَقِيقِيَّ يَقْتَضِي أَنْ نُعَظِّمَ مَا عَظَّمَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْ نَسِيرَ عَلَى هَدْيِهِ. فَهَلْ كَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطْلَبَ النَّفْعُ مِنَ المَيِّتِ فِي قَبْرِهِ؟ كَلاَّ وَأَلْفُ كَلاَّ؛ بَلْ كَانَ تَعْلِيمُهُ الخَالِدُ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ».

ومَحَبَّةُ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَرَامَةٌ وَتَوْفِيقٌ، لَكِنَّهَا لَنْ تَكُونَ يَوْماً فَوْقَ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تُتَّخَذَ ذَرِيعَةً لِلْغُلُوِّ أَوْ خَرْقِ حُدُودِ التَّوْحِيدِ.

2. حَقِيقَةُ الزِّيَارَةِ: مَنْ يَنْفَعُ مَنْ؟

إنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ حِينَمَا أَذِنَتْ بِزِيَارَةِ القُبُورِ، جَعَلَتْ غَايَتَهَا وَاضِحَةً كَالشَّمْسِ:

تَذَكُّرُ الآخِرَةِ وَالاعْتِبَارُ: لِيَسْتَحْضِرَ الحَيُّ فَنَاءَ الدُّنْيَا.

إِحْسَانُ الحَيِّ إِلَى المَيِّتِ: بِالدُّعَاءِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ.

فَالزَّائِرُ هُوَ الَّذِي يَنْفَعُ المَيِّتَ بِدُعَائِهِ، وَلَيْسَ المَيِّتُ هُوَ الَّذِي يَنْفَعُ الزَّائِرَ أَوْ يَقْضِي حَوَائِجَهُ! وَالأَوْلِيَاءُ عِنْدَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا، كَانَتْ تَرْبِيَتُهُمْ لِمُرِيدِيهِمْ تَقُومُ عَلَى تَعْلِيقِ القُلُوبِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ بَعْدَ المَوْتِ يَسْمَعُونَ وَيُجِيبُونَ وَيَكْشِفُونَ الضُّرَّ، فَقَدْ أَبْطَلَ غَايَةَ التَّرْبِيَةِ الَّتِي عَاشُوا مِنْ أَجْلِهَا.

3. التَّفْرِيقُ بَيْنَ الـمَكَانِ وَالـمَكْنُونِ: القَبْرُ وَالمَقَامُ

المَكَانُ المَقْدَسُ: لاَ يَكْتَسِبُ المَكَانُ قُدْسِيَّةً لِذَاتِهِ إِلاَّ بِنَصٍّ شَرْعِيٍّ، كَالْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ (الحَرَامِ، وَالنَّبَوِيِّ، وَالأَقْصَى). أَمَّا سَائِرُ البِقَاعِ وَالأَضْرِحَةِ فَلاَ مِيزَةَ لَهَا فِي التَّعَبُّدِ أَوِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا.

القَبْرُ وَالمَقَامُ: هُمَا مَوَاضِعُ رُفَاتٍ أَوْ مُجَرَّدُ ذِكْرَيَاتٍ تَرِيخِيَّةٍ، وَلَيْسَا مَنَابِرَ لِلشَّفَاعَةِ المَبَاشِرَةِ أَوْ لِطَلَبِ المَدَدِ.

حَالُ العَامَّةِ وَالخَوَاصِ: رُبَّمَا يَسْلَمُ "الخَوَاصُّ" مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِيَّاتِ بَسَبَبِ فِقْهِهِمْ، لَكِنَّ فِتْنَةَ العَامَّةِ فِي المَوَالِدِ وَالمَقَامَاتِ عَظِيمَةٌ، مِمَّا يَجْعَلُ سَدَّ الذَّرَائِعِ وَالتَّأْصِيلَ الشَّرْعِيَّ الصَّارِمَ وَاجِباً دِينِيّاً وَأَخْلاَقِيّاً.

4. نِدَاءٌ وَرُؤْيَةٌ عَمَلِيَّةٌ إِلَى زَوَارَةِ الأَوْقَافِ

حَتَّى لاَ نَكْتَفِيَ بِالنَّقْدِ، وَنَنْتَقِلَ إِلَى البِنَاءِ وَالصَّلاَحِ، نُوَجِّهُ نِدَاءً صَرِيحاً وَجَرِيئاً إِلَى مَعَالِي وَزِيرِ الأَوْقَافِ؛ لِتَبَنِّي مَشْرُوعٍ مَعْرِفِيٍّ وَفِقْهِيٍّ يَصْدُرُ فِي كِتَابَيْنِ رَسْمِيَّيْنِ يُوَزَّعَانِ عَلَى كُلِّ المَقَامَاتِ وَالمَسَاجِدِ:

الكِتَابُ الأَوَّلُ: "فِقْهُ وَآدَابُ زِيَارَةِ القُبُورِ وَالمَقَامَاتِ"

يُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى:

المُسْتَحَبَّاتِ: كَالسَّلاَمِ المَأْثُورِ، وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، وَالاعْتِبَارِ.

المَكْرُوهَاتِ: كَالِازْدِحَامِ وَالْغَوْغَاءِ وَالمُزَاحَمَةِ.

المَحْظُورَاتِ: كَدُعَاءِ صَاحِبِ القَبْرِ، وَطَلَبِ المَدَدِ مِنْهُ، وَالذَّبْحِ عِنْدَهُ، وَالتَّمَسُّحِ بِالأَعْتَابِ، بَيَاناً لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ مَنَهَجِ التَّوْحِيدِ وَالاتِّبَاعِ.

الكِتَابُ الثَّانِي: "سِيرَةُ وَتَارِيخُ صَاحِبِ المَقَامِ"

تَوْثِيقٌ تَرِيخِيٌّ سَلِيمٌ لِحَيَاةِ العَالِمِ أَوْ العَابِدِ المَدْفُونِ:

يُبَرِّزُ كَيْفَ كَانَ هَذَا الوَلِيُّ مُمَتَسِّكاً بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي حَيَاتِهِ.

يُرَشِّدُ النَّاسَ لِلاِقْتِدَاءِ بِـعِلْمِهِ وَأَخْلاَقِهِ وَطَاعَتِهِ، لاَ بِالتَّعَلُّقِ بِشَخْصِهِ أَوْ رُفَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

يُنَقِّي سِيرَتَهُ مِنَ الأَسَاطِيرِ وَالخُرَافَاتِ الَّتِي جَعَلَتْ مِنْهُ نِدّاً فِي قَضَاءِ الحَوَائِجِ.

الخَاتِمَةُ: نُصْرَةُ الاتِّبَاعِ لاَ الِابْتِدَاعِ

إنَّ الدِّينَ قَدْ كَمُلَ، وَالطَّرِيقَ قَدْ وُضِحَ، وَلَيْسَ لَنَا مَخْرَجٌ مِنْ فِتَنِ الجَهْلِ وَالغُلُوِّ إلاَّ بِالْعَوْدَةِ الصَّادِقَةِ إِلَى نُورِ التَّوْحِيدِ. إنَّ نُصْرَةَ الاتِّبَاعِ تَسْتَلْزِمُ أَنْ نَقُولَ لِلْمُحْسِنِ أَحْسَنْتَ وَلِلْمُبْتَدِعِ تَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرْعِ. فَاللَّهُ هُوَ الأَوْلَى، وَالاسْتِعَانَةُ بِهِ هِيَ الأَعْظَمُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ المَتْبُوعُ، وَالأَوْلِيَاءُ عِبَادٌ يَرْجُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ.

اللَّهُمَّ اهْدِنَا سَوَاءَ السَّبِيلِ، وَثَبِّتْنَا عَلَى التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ.

قلم السلام/ حمدي قنديل

إرسال تعليق

أحدث أقدم