حين تصبح اللغة قضية وجود
بقلم د/ علاء المصري
ليست المأساة أن تتراجع لغةٌ في ميدان، ولا أن تتقدم لغةٌ أخرى في عصر؛ فهذه سُنّة الحضارات، وحقيقة التاريخ، وطبيعة الحياة. وإنما المأساة الحقيقية أن تمتلك أمةٌ لغةً بحجم العربية، ثم تقف أمام أسئلة المستقبل مترددة، وكأنها تستأذن الآخرين لتثق في نفسها!
أيُّ مفارقةٍ هذه؟!
أن تكون لغتك لغةَ كتابٍ غيَّر مجرى التاريخ، ولسانَ حضارةٍ أضاءت عصورًا من المعرفة، ووعاءَ تراثٍ تتوارثه الأجيال، ثم تجد بعض أبنائها يتعاملون معها باعتبارها عبئًا دراسيًّا، أو مادةً ثقيلةً على الذاكرة، أو لغةً تصلح لاستحضار الماضي، ولا تصلح لمواكبة المستقبل!
أيُّ وجعٍ أكبر من أن يخجل الإنسان من لغته، أو يستثقل حروفها، أو يظن أن الطريق إلى الرقي يبدأ بالتخلي عنها؟!
إن المشكلة ليست في العربية؛ فالعربية لم تفقد قدرتها على التعبير، ولم تنفد خزائنها من الجمال، ولم تعجز حروفها عن احتضان الفكر. المشكلة حين يتراجع الإيمان بها في نفوس بعض أبنائها، وحين يتحول الاعتزاز بها إلى كلماتٍ تُقال في المناسبات، بدلًا من أن يصبح ممارسةً يوميةً في التعليم والعلم والإبداع.
إن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس: هل تستطيع اللغة العربية أن تعيش في المستقبل؟ بل: هل نستطيع نحن أن نمنحها المكانة التي تستحقها في صناعة هذا المستقبل؟
فالأمم لا تنهض بما ورثته وحده، ولا تصنع مجدها بتعداد أمجاد أسلافها، وإنما تنهض حين تحوِّل ميراثها الحضاري إلى قوةٍ فاعلة، ومعرفتها إلى إنتاج، ولغتها إلى أداةٍ للتفكير والإبداع والتأثير.
ومن هنا تبدأ الحكاية؛ لا من رثاء العربية، بل من مساءلة أنفسنا!
العربية لا تخشى المستقبل... ولكن هل يُحس أبناؤها استقباله؟
العربية لغة حيّة غنية بالمفردات والاشتقاق وطرائق التعبير، وقادرة على استيعاب مجالات المعرفة إذا توفرت الجهود العلمية والمؤسسية. غير أن اللغة لا تصنع نهضتها بنفسها؛ بل ينهض بها أهلها حين يجعلونها حاضرة في التعليم والعلم والإبداع والتقنية. لذلك لا يكفي أن نفتخر بماضيها، بل يجب أن يقدم أبناؤها بها اكتشافات وأفكارًا وأدواتٍ جديدة، فمجد الماضي لا يضمن مكانة المستقبل.
حين يتحول النحو إلى جدارٍ بين الطالب ولغته
تبدأ إحدى مشكلات العربية من التعليم حين تتحول القواعد والمصطلحات إلى حفظٍ جاف يفصل الطالب عن جمال لغته. فالعيب ليس في النحو، بل في تقديمه غايةً بدل أن يكون وسيلة لفهم المعنى وتحسين التعبير. والمطلوب معلم يربط القاعدة بالسياق، ويجعل النحو تفكيرًا، والبلاغة ذوقًا، والأدب حياة، والقراءة نافذة على العالم. فمستقبل العربية يبدأ من طالب يفهم قبل أن يحفظ، ويستخدم لغته بثقة، ويكتشف أثرها في حياته.
في عصر الذكاء الاصطناعي... هل تتحدث العربية لغة المستقبل أم تكتفي بمشاهدة الآخرين؟
أصبح حضور اللغة في العالم الرقمي جزءًا من قوة الأمم، ولم يعد تاريخها وحده كافيًا لضمان مستقبلها. تحتاج العربية إلى محتوى رقمي رصين، ومعاجم إلكترونية، ومدونات لغوية، وقواعد بيانات، وأدوات للترجمة والتحرير، وتطبيقات تعليمية ومنصات بحثية تفهم تراكيبها وسياقاتها. ويتطلب ذلك تعاون علماء اللغة والمبرمجين والباحثين والمعلمين، حتى لا تكون العربية لغة تفهمها الآلة فقط، بل لغة يشارك أهلها في بناء التقنيات والمعرفة بها. والوفاء لها لا يكون برفض التكنولوجيا، بل بدخول عالمها بالعربية.
بين لغة الهوية ولغات العالم... لا تجعلوا الاعتزاز انغلاقًا
لا تعارض بين الاعتزاز بالعربية وتعلم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما؛ فاللغات الأجنبية تفتح أبواب العلم والعمل والتواصل، بينما تمنح اللغة الأم الإنسان القدرة الأعمق على التعبير عن ذاته وفهم جذوره. المشكلة ليست في التعدد اللغوي، بل في أن يشعر المرء أن لغته أقل قيمة أو أن هويته عائق أمام التقدم. والمطلوب جيل ينفتح على العالم دون أن يفقد جذوره، ويتقن اللغات الأخرى وهو واثق بعربيته وقادر على استخدامها في البحث والإبداع والحوار.
العربية ليست حكرًا على أبنائها... بل رسالةٌ إلى العالم
ينبغي ألا نحصر مستقبل العربية في الناطقين بها؛ فهناك متعلمون من ثقافات مختلفة يرغبون في فهمها والتواصل بها والتعرف إلى تراثها. ولجذبهم، يجب تقديمها بالتدرج والممارسة والحوار، لا بوصفها قواعد معقدة فقط. كما يحتاج تعليمها لغير الناطقين بها إلى معلمين مؤهلين، ومناهج حديثة، وأدوات تفاعلية، وبرامج تربط التعلم بالمواقف الحقيقية. وحين نقدم العربية بصورة ممتعة، فإننا ننقل إلى العالم ثقافة غنية وأدبًا واسعًا وتاريخًا ممتدًا.
من ينقذ العربية؟ سؤالٌ ينبغي أن نخجل من تكراره
العربية ليست عاجزة تنتظر من ينقذها؛ بل نحن المسؤولون عن مراجعة طرائق تعليمها واستخدامها وتطويرها. فالمؤسسات مطالبة بالتخطيط، والمدارس بالتجديد، والجامعات بالبحث، والإعلام بالمسؤولية، والأسرة بغرس الثقة، والمعلم بجعل اللغة حيّة في عقول الطلاب. والنهوض بالعربية مشروع مشترك لا مهمة فردية أو شعار موسمي، ولا يحتاج إلى مزيد من الخطب بقدر حاجته إلى مدارس جيدة، ومعرفة منتجة، وأدوات رقمية متطورة، ومحتوى يجذب الأجيال. وكل درس ناجح، وكتاب نافع، وبحث رصين، وطفل يكتشف جمال لغته، يمثل خطوة حقيقية في طريق النهضة.
لا تبكوا على العربية... بل انهضوا بها
وهنا أصل إلى السؤال الذي أراه أهم من كل الأسئلة السابقة:
ماذا سنقول للأجيال القادمة إذا ورثناهم لغةً عظيمة، ثم لم نورثهم القدرة على استخدامها في صناعة مستقبلهم؟!
ماذا سنقول لهم إذا حدثناهم طويلًا عن أمجاد العربية، ثم لم نترك لهم من هذه الأمجاد مشروعًا علميًّا، أو نهضةً تعليمية، أو إنجازًا تقنيًّا، أو تجربةً لغوية تستحق أن تُروى؟
ماذا سنقول لهم إذا علّمناهم أن العربية لغةُ حضارة، ثم جعلناهم يشعرون داخل مدارسهم بأنها مجرد صفحاتٍ صعبة، وقواعدَ متشابكة، وامتحاناتٍ ينبغي النجاة منها؟!
إن الأجيال القادمة لا تحتاج منا إلى مزيدٍ من الكلمات التي تصف الماضي؛ إنها تحتاج إلى حاضرٍ يمنحها الثقة، ومستقبلٍ يفتح أمامها الأبواب.
لا تريد أن تسمع فقط أن العربية كانت لغة العلماء؛ بل تريد أن ترى علماء اليوم يكتبون بها، ويبحثون بها، ويناقشون بها قضايا عصرهم.
ولا يكفيها أن تعرف أن العربية لغة الأدب والبلاغة؛ بل ينبغي أن تجد فيها لغةً قادرةً على احتضان الإبداع المعاصر، والتعبير عن الإنسان في أفراحه وآلامه، وأسئلته وأحلامه.
ولا يكفي أن نخبرها بأن العربية عظيمة؛ بل يجب أن نمنحها الفرصة لتكتشف هذه العظمة في كتابٍ تقرؤه، ودرسٍ تفهمه، وفكرةٍ تبتكرها، وأداةٍ رقمية تستخدمها، وإنجازٍ علمي تشارك في صناعته.
إنني لا أخشى على العربية من المستقبل بقدر ما أخشى عليها من أن نؤجل العمل من أجلها حتى يصبح الحديث عن نهضتها عادةً لا يتبعها إنجاز.
أخشى أن ننشغل بتمجيد الجذور، وننسى أن الجذور وُجدت لتمنح الشجرة القدرة على النمو، لا لتمنعها من الامتداد.
وأخشى أن نرفع راية الاعتزاز بلغتنا، بينما لا نبذل ما يكفي كي تصبح هذه الراية عنوانًا للتفوق والإبداع.
لكنني، رغم كل التحديات، أؤمن أن العربية قادرةٌ على أن تكون أكثر حضورًا وتأثيرًا، إذا امتلك أبناؤها الإرادة، وأحسنوا استثمار طاقاتهم، وانتقلوا من الحنين إلى الفعل، ومن الشعارات إلى الإنجاز.
فما زال في العربية متسعٌ لأفكارٍ لم تُكتب، وقصائدَ لم تُنشد، وأبحاثٍ لم تُنجز، واكتشافاتٍ لم تُعلن، وأجيالٍ تنتظر من يفتح أمامها أبواب هذه اللغة.
وما زال في كل فصلٍ دراسي معلمٌ يستطيع أن يغيّر علاقة طالبٍ بلغته، وفي كل مكتبةٍ كتابٌ قادرٌ على أن يوقظ عقلًا، وفي كل عقلٍ عربي فرصةٌ لأن يضيف شيئًا جديدًا إلى مسيرة المعرفة الإنسانية.
فلا تقولوا: كيف نحمي العربية من المستقبل؟ بل قولوا: كيف نجعل العربية شريكًا في صناعته
ولا تسألوا: كيف نحافظ على ما تركه لنا السابقون؟ بل اسألوا: ماذا سنترك نحن لمن سيأتون بعدنا؟
ولا تكتفوا بأن تكونوا شهودًا على عظمة لغةٍ صنعت تاريخًا؛ كونوا شركاء في صناعة مستقبلٍ يليق بها.
فالعربية ليست ماضيًا نُعلّق صوره على جدران الذاكرة، بل أمانةٌ نحملها، ومسؤوليةٌ ننهض بها، ورسالةٌ نكتب فصولها كل يوم.
إنني لا أريد للعربية أن تعيش على هامش المستقبل، ولا أن تظل أسيرة الأمجاد التي صنعها السابقون؛ أريدها لغةً تفكر، وتبحث، وتبتكر، وتنافس، وتضيف إلى الحضارة الإنسانية صفحةً جديده
أريد للطالب أن يحبها دون خوف، وللمعلم أن يعلّمها دون جمود، وللباحث أن ينتج بها دون تردد، وللمبرمج أن يطوّر أدواتها دون عوائق، وللعالم أن يجد فيها وسيلةً للمعرفة والتواصل والإبداع.
أريد أن يأتي يومٌ لا نحتاج فيه إلى الدفاع عن العربية بالكلمات وحدها؛ لأن حضورها في مدارسنا وجامعاتنا ومختبراتنا وشاشاتنا ومنتجاتنا العلمية سيكون أبلغ من كل خطاب.
ويومها، لن يكون السؤال: هل للعربية مستقبل؟
بل سيكون السؤال: كم أسهمت العربية في صناعة مستقبل الإنسان؟
وحتى يأتي ذلك اليوم، ستظل مسؤوليتنا قائمة، وسيظل واجبنا أكبر من أن تختصره مقالة، أو تستوعبه ندوة، أو تنهيه مناسبة للاحتفاء باللغة العربية.
وسأظل أؤمن بأن أجمل ما يمكن أن نقدمه للعربية ليس أن نبكي على ما كان، بل أن نعمل من أجل ما يمكن أن يكون.
فأنا لا أرى العربية حروفًا نحفظها، ولا قواعدَ نُدرّسها، ولا تراثًا نتباهى به؛ أراها هويةً تنبض، وعقلًا يفكر، وحضارةً تتجدد، ومستقبلًا يستحق أن نقاتل من أجل أن يكون لنا فيه مكان.
فيا أبناء العربية: لا تكتفوا بأن تكونوا ورثة أمجادها... كونوا صُنّاع مستقبلها.
فإن أعظم وفاءٍ للغةٍ عظيمة، أن نصنع بها عظمةً جديدة
