في دراسة أكاديمية تسلط الضوء على الدور العميق للفنون في تشكيل الوعي المجتمعي، شهدت كلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة مناقشة رسالة دكتوراه للباحث والصحفي محمد إبراهيم طعيمة، بقسم الأنثروبولوجيا، بعنوان: «المسرح وتأثيره على القيم الثقافية في القاهرة وتونس العاصمة.. دراسة حالة في الأنثروبولوجيا الثقافية».
ومنحت الجامعة الباحث درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، تقديرًا لجهده العلمي الذي تناول العلاقة المتشابكة بين المسرح والقيم الثقافية في المجتمعين المصري والتونسي، مستكشفًا قدرة العروض المسرحية على التأثير في الوعي الجمعي وصياغة التصورات الاجتماعية والثقافية في ظل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها الدولتان خلال العقود الأخيرة.
واعتمدت الدراسة على منهج يجمع بين التحليل الأنثروبولوجي والعمل الميداني، حيث قام الباحث بتحليل ستة عروض مسرحية بارزة، بواقع ثلاثة عروض مصرية هي: «مش روميو وجولييت»، و«الحلم حلاوة»، و«يوم عاصم جداً»، وثلاثة عروض تونسية هي: «مايراوش»، و«آخر مرة»، و«آخر البحر». كما استندت الدراسة إلى استطلاع آراء جمهور المسرح والمتخصصين لرصد المضامين الثقافية والقيمية التي تحملها هذه الأعمال الفنية.
وتوزعت الرسالة على خمسة فصول رئيسية تناولت الإطارين النظري والمنهجي للدراسة، وتطور المسرح من منظور أنثروبولوجي، وتجليات القيم الثقافية في المسرحين المصري والتونسي، إضافة إلى استشراف مستقبل الحركة المسرحية في البلدين من خلال رؤى نخبة من الأكاديميين والممارسين في المجال المسرحي.
وسعت الدراسة إلى تقديم قراءة مقارنة معمقة بين تجربتي المسرح في القاهرة وتونس العاصمة، والكشف عن أوجه التشابه والاختلاف في المنظومات القيمية التي تعكسها العروض المسرحية، ومدى ارتباطها بالواقع الاجتماعي والثقافي لكل مجتمع، فضلاً عن رصد أبرز التحديات التي تواجه المسرح العربي في المرحلة الراهنة.
وأكدت نتائج الدراسة أن المسرح لا يزال يمثل أحد أكثر الأدوات الثقافية تأثيرًا في تشكيل الوعي المجتمعي، ونقل القيم بين الأجيال، وإثارة النقاش حول القضايا الاجتماعية والإنسانية، بما يجعله شريكًا فاعلًا في عمليات التغيير الثقافي والاجتماعي.
وضمت لجنة الإشراف والحكم والمناقشة نخبة من الأكاديميين والمتخصصين، هم الأستاذ الدكتور أحمد مجاهد، أستاذ المسرح والدراما بكلية الآداب جامعة عين شمس ورئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب الأسبق، والدكتور محمد عبد الراضي محمود، أستاذ الأنثروبولوجيا المساعد ورئيس قسم الأنثروبولوجيا بكلية الدراسات الأفريقية العليا، كمناقشين، فيما تولت الإشراف على الرسالة الأستاذة الدكتورة سلوى يوسف درويش، أستاذ الأنثروبولوجيا بالكلية، بمشاركة الدكتور محمد مسعد إمام، والدكتورة سحر غراب، أستاذي الأنثروبولوجيا المساعدين بكلية الدراسات الأفريقية العليا.
وأوصت الدراسة بضرورة تعزيز الدعم المؤسسي للمسرح، وتوسيع قاعدة جمهوره، وتطوير آليات التعاون الثقافي بين الدول العربية، إلى جانب تشجيع الدراسات البينية التي تجمع بين الأنثروبولوجيا والفنون المسرحية، بما يسهم في فهم أعمق للأدوار الثقافية التي يؤديها المسرح في المجتمعات العربية المعاصرة.