الحقوق المدنية والسياسية في مصر.. بين الإنجاز والتحديات


 بقلم ا/ مصطفى الحداد 

الحقوق المدنية والسياسية في مصر.. بين الإنجاز والتحديات

منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021–2026)، أصبح ملف الحقوق المدنية والسياسية واحدًا من أكثر الملفات حضورًا في النقاش العام، سواء على المستوى الداخلي أو في إطار التفاعل الدولي مع أوضاع حقوق الإنسان في مصر. فهذه الحقوق لا ترتبط فقط بحرية الفرد وكرامته، بل تمثل كذلك معيارًا رئيسيًا لقياس مدى تطور الدولة الحديثة وقدرتها على تحقيق التوازن بين الأمن والاستقرار من جهة، وضمان الحريات العامة من جهة أخرى.

وقد جاءت الاستراتيجية الوطنية محاولة لإعادة تنظيم هذا الملف بصورة أكثر شمولًا، عبر وضع رؤية رسمية تتناول قضايا حرية التعبير، والحق في التنظيم، وضمانات العدالة الجنائية، وحرية الاعتقاد، والحق في المشاركة السياسية، وغيرها من الحقوق المرتبطة مباشرة بحياة المواطن اليومية.

وخلال السنوات الأخيرة، شهد هذا المحور عددًا من التطورات المهمة التي لا يمكن تجاهلها. فمن أبرز هذه الخطوات إنهاء حالة الطوارئ في أكتوبر 2021، باعتبارها خطوة لها دلالة قانونية وسياسية مرتبطة بتعزيز الضمانات الدستورية للحريات العامة. كما اتجهت الدولة إلى تطوير فلسفة تنفيذ العقوبات عبر التحول من مفهوم “السجون التقليدية” إلى “مراكز الإصلاح والتأهيل”، مع إدخال تعديلات تشريعية تستهدف تحسين أوضاع المحتجزين صحيًا وتعليميًا.

وفي المجال السياسي، برز الحوار الوطني باعتباره إحدى المحاولات لإعادة تنشيط المجال العام وفتح قنوات تواصل بين الدولة والقوى السياسية المختلفة، إلى جانب إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي والإفراج عن عدد من المحبوسين احتياطيًا أو المحكوم عليهم في قضايا رأي.


أما على مستوى المجتمع المدني، فقد شهد ملف الجمعيات الأهلية تطورات مهمة بعد تفعيل اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية رقم 149 لسنة 2019، وإطلاق منصات إلكترونية لتوفيق أوضاع المؤسسات المدنية، فضلًا عن إنهاء أجزاء واسعة من قضية التمويل الأجنبي ورفع قرارات المنع من السفر والتحفظ على الأموال عن عدد من الحقوقيين والمنظمات.

ورغم هذه التطورات، فإن الطريق لا يزال يواجه عددًا من التحديات الجوهرية التي تعترف بها الاستراتيجية نفسها. وفي مقدمة هذه التحديات ملف الحبس الاحتياطي، وبعض الجوانب المرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة، بالإضافة إلى الحاجة إلى تطوير الإطار القانوني المنظم لعمل المجتمع المدني وحرية الإعلام.

كما لا تزال هناك فجوة قائمة بين بعض التشريعات الوطنية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بتعريف جريمة التعذيب، وغياب قانون متكامل لحرية تداول المعلومات، وعدم وجود تشريع مستقل يجرم الاختفاء القسري بصورته الواردة في الاتفاقيات الدولية.

وفي الحقيقة، فإن أحد أهم الملفات التي ستفرض نفسها بقوة خلال السنوات المقبلة هو ملف “الحقوق الرقمية”، باعتباره الامتداد الطبيعي للحقوق المدنية والسياسية في العصر الحديث. فلم تعد حرية التعبير مرتبطة فقط بالصحف والمنابر التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.

ومن هنا تبرز أهمية ضمان الحق في الوصول إلى الإنترنت، وحماية الخصوصية الرقمية، وتأمين البيانات الشخصية، والتوازن بين مكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية حرية الرأي والتعبير. كما بدأ العالم يتجه نحو الاعتراف بما يسمى “الحق في النسيان الرقمي”، أي حق الفرد في إزالة بياناته الشخصية غير الضرورية من المنصات الرقمية ومحركات البحث.

وفي تقديري، فإن نجاح أي استراتيجية مستقبلية لحقوق الإنسان لن يتوقف فقط على إصدار القوانين أو تعديلها، وإنما على تحويل ثقافة الحقوق والحريات إلى ممارسة يومية داخل مؤسسات الدولة والمجتمع معًا. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية وحدها، بل في آليات التنفيذ، والشفافية، والرقابة، وقدرة المواطن على الشعور بأن هذه الحقوق قابلة للممارسة الفعلية وليست مجرد مبادئ نظرية.

لذلك، تبدو المرحلة المقبلة بحاجة إلى استكمال عدد من الاستحقاقات المهمة، وعلى رأسها إصدار قانون حرية تداول المعلومات، ومراجعة بعض التشريعات المرتبطة بالنشر والإعلام، وتعزيز الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز، إلى جانب دعم المشاركة السياسية وإجراء انتخابات المحليات وتوسيع مساحة الحوار العام.

وفي النهاية، فإن التجربة المصرية في ملف الحقوق المدنية والسياسية خلال الفترة من 2021 إلى 2026 تعكس مسارًا متدرجًا يجمع بين التطوير التشريعي والإصلاح المؤسسي، لكنه لا يزال بحاجة إلى خطوات إضافية لترسيخ مفهوم “الحقوق القابلة للممارسة” وليس فقط “الحقوق المعلنة”. فبناء دولة حديثة ومستقرة لا يتحقق بالأمن وحده، كما لا يتحقق بالحريات وحدها، وإنما يتحقق بالقدرة على خلق توازن حقيقي بين الاثنين في إطار سيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم